الخطيب البغدادي
33
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيّ بن زيد كاتب العباس بن المأمون ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاق بن إبراهيم الموصلي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبي ، قَالَ : حج الرشيد ومعه جعفر بن يَحْيَى البرمكي ، قَالَ : وكنت معهم ، فلما صرنا إِلَى مدينة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لي جعفر بن يَحْيَى : أحب أن تنظر لي جارية ، ولا تُبْقِي غَايَةً فِي حَذَاقَتِهَا بِالْغِنَاءِ وَالضَّرْبِ ، وَالْكَمَالِ فِي الظِّرْفِ وُالأَدَبِ ، وجنبني قولهم صفراء . قَالَ : فوضعتها عَلَى يد من يعرف ، قَالَ : فَأُرْشِدْتُ إِلَى جَارِيَةٍ لِرَجُلٍ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُ رُسُومَ النِّعْمَةِ ، وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها ، ولا أصبح ، ولا آدب ، قَالَ : ثم تغنت لي أصواتا فأجادتها ، قَالَ : فقلت لصاحبها قل ما شئت . قَالَ : أقول لك قولا لا أنقص منه درهما ، قَالَ : قُلْتُ قل ، قَالَ : أربعين ألف دينار ، قَالَ : قُلْتُ : قد أخذتها واشترطت عليك نظرة ، قَالَ : ذاك لك ، قَالَ : فأتيت جعفر بن يَحْيَى ، فقلت : قد أصبت حاجتك عَلَى غاية الكمال ، والظرف والأدب والجمال ، ونقاء اللون ، وجودة الضرب والغناء ، وقد اشترطت نظرة ، فاحمل المال ومر بنا ، قَالَ : فحملنا المال عَلَى حمالين ، وجاء جعفر مستخفيا ، فدخلنا عَلَى الرجل فأخرجها ، فلما رآها جعفر أعجب بها ، وعرف أن قد صدقته ، ثم غنته فازداد بها عجبا ، فَقَالَ لي : اقطع أمرها ، فقلت لمولاها : هذا المال قد نقدناه ووزناه ، فإن قنعت وإلا فوجه إلي من شئت لينتقده . فَقَالَ لا بل أقنع بما قلتم . قَالَ : فَقَالَتِ الجارية : يا مولاي فِي أي شيء أنت ؟ فَقَالَ : قد عرفت ما كنا فيه من النعمة ، وما كنت فيه من انبساط اليد ، وقد انقبضت عَنْ ذلك لتغير الزمان علينا ، فقدرت أن تصيري إِلَى هذا الملك فتنبسطي فِي شهواتك وإرادتك . فَقَالَتِ الجارية : والله يا مولاي لو ملكت منك